كشف تقرير حديث عن الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية أنَّ المملكة نجحت في تحقيق تغطية شبه شاملة للخدمات الصحية، إلى جانب بناء بنية تحتية متقدمة تضاهي المعايير العالمية، وقد قامت بإرساء منظومة مؤسسية تدعم نظاماً صحياً حديثا ومتكاملاً. وأكدَّ التقرير أنَّ القطاع يقف اليوم أمام مرحلة تحول مفصلية ضمن مستهدفات رؤية 2030، التي تقود إصلاحات واسعة النطاق في مختلف مكونات النظام الصحي.
وأوضح التقرير الصادر عن كي بي إم جي بعنوان "الاستثمار في صحة أفضل: تمويل نموذج الرعاية في المملكة العربية السعودية"، أنَّ التحدي لم يعد يتمثل في توسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية، بل في تحقيق أعلى قيمة ممكنة من الإنفاق الصحي.
فبعد وصول التغطية الصحية الأساسية إلى مستويات شبه كاملة بين المواطنين، بات التركيز منصبًا على تحسين كفاءة استخدام الموارد المالية لتحقيق نتائج صحية أفضل وأكثر استدامة.
التمويل كأداة استراتيجية لإصلاح النظام
في هذا السياق، أكدت حنان العرفج، مدير تنفيذي استشاراتالرعاية الصحية في كي بي إم جي الشرق الأوسط، أنَّ المملكة أنجزت المرحلة الأصعب عبر توسيع الخدمات وتعزيز الطاقة الاستيعابية، إلا أنَّ المرحلة المقبلة ستُحسم من خلال تطوير نماذج التمويل.
وأشارت إلى أنَّ التمويل لم يعد مجرد وظيفة تشغيلية، بل أداة استراتيجية قادرة على تحسين أداء النظام الصحي ورفع جودة مخرجاته.
واقع الإنفاق الصحي وضغوط المستقبل
أظهر التقرير أنَّ إجمالي الإنفاق الصحي في المملكة بلغ نحو 227.7 مليار ريال في عام 2023، أي ما يعادل 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يتراوح بين 9% و10%.. ولا تزال الحكومة تتحمل نحو ثلثي هذا الإنفاق، فيما تمثل المدفوعات المباشرة للأفراد نحو 14–15%، يذهب نصفها تقريبًا إلى الأدوية.
وفي ظل التوقعات بارتفاع عدد السكان إلى نحو 40 مليون نسمة بحلول عام 2030، إلى جانب زيادة نسبة كبار السن، تتزايد الضغوط على خدمات الرعاية المزمنة وطويلة الأجل؛ ما يستدعي نماذج تمويل أكثر كفاءة واستدامة.
نماذج الدفع وتأثيرها على جودة الرعاية
يركز التقرير على حقيقة جوهرية مفادها أن طريقة الدفع تؤثر بشكل مباشر على سلوك مقدمي الرعاية الصحية. فالنماذج التقليدية التي تعتمد على الدفع مقابل حجم الخدمات، مثل: عدد الزيارات أو الفحوصات تحفّز زيادة النشاط، لكنها لا تضمن تحسين النتائج الصحية.
في المقابل، يدعو التقرير إلى التحول نحو نموذج "الإنفاق مقابل القيمة"، الذي يربط التمويل بتحسين صحة المرضى وتعزيز الوقاية وتقليل الحاجة إلى دخول المستشفيات، وهو توجه عالمي يهدف إلى تحقيق كفاءة أعلى في الإنفاق الصحي.
عبء الأمراض المزمنة وأولوية الإصلاح
استنادًا إلى بيانات تفصيلية، يوضح التقرير: أن ثلاثة أمراض غير معدية رئيسية، مثل: أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، السكري، وأمراض القلب تؤثر على أكثر من 2.27 مليون مريض، وتشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على النظام الصحي يقدر 108مليار في الرعاية الأولية.
وفي هذا السياق أكد الدكتور محمد فايق مدير مساعد استشارات الرعاية الصحية لدى كي بي إم جي الشرق الأوسط: أنَّ التعامل مع هذه الحالات يتطلب نماذج تمويل طويلة الأمد تركز على الوقاية وإدارة المرض، بدلًا من تمويل كل زيارة بشكل منفصل، وهو ما يجسد مفهوم الرعاية الصحية القائمة على القيمة في التطبيق العملي.
تقدم مؤسسي وفجوة في منظومة التمويل
يبين تقرير كي بي إم جي، أن المملكة أحرزت تقدمًا ملحوظا في بناء الإطار المؤسسي للنظام الصحي، من خلال جهات مثل: وزارة الصحة، والشركة القابضة الصحية، ومجلس الضمان الصحي، ومركز التأمين الصحي الوطني، إلى جانب المنصات الرقمية الحديثة، ويشير التقرير إلى وجود فجوة واضحة، حيث لا تزال آليات التمويل تعتمد على نماذج تقليدية مجزأة، لا تتماشى مع تطور نموذج تقديم الرعاية؛مما يخلق تضارباً في الحوافز ويحد من فعالية الإصلاحات.
تحدي رفض المطالبات التأمينية
من أبرز التحديات التشغيلية التي سلط عليها التقرير الضوء، ارتفاع معدلات رفض المطالبات التأمينية، والتي تتراوح بين 15% و25%؛ ما يؤدي إلى ضغوط على السيولة لدى مقدمي الخدمات وزيادة الأعباء الإدارية. وفي هذا الصدد أشار التقرير إلى أن تطوير الأنظمة الرقمية، مثل منصة "نفيس"، يمكن أن يسهم في معالجة هذه المشكلة عبر البت الفوري في المطالبات، وتحويلها من مصدر نزاع إلى أداة لتحسين الكفاءة المالية، مع تحقيق وفورات ملموسة للنظام الصحي.
انتقال تدريجي نحو التمويل القائم على القيمة
اختتم التقرير بتوصية واضحة تتمثل في تبني نهج تدريجي للإصلاح، يبدأ بنماذج تمويل هجينة تجمع بين التمويل الأساسي والحوافز المرتبطة بالأداء، وصولًا إلى تطبيق نماذج أكثر تقدمًا مثل: المدفوعات المجمعة، الدفع لكل مريض في الأمراض المزمنة، العقود المرتبطة بالنتائج الصحية، حيث أكدت حنان العرفج، في هذا الصدد، أن هذا التحول التدريجي يعزز الثقة بين الأطراف المختلفة، ويضمن تحقيق نتائج ملموسة للمرضى، سواء من حيث جودة الرعاية أو استمراريتها أو فعاليتها الوقائية.
(انتهى)